الصحراء زووم : سيد احمد السلامي
في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها أمن الطاقة العالمي على خلفية الحرب المستعرة في الشرق الأوسط، تحاول الجزائر استغلال الوضع وتوظيف ورقة الغاز كأداة ضغط، مستفيدة من اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع الطلب، لتقديم نفسها كشريك في هذا المجال، خاصة بالنسبة لإسبانيا للتاثير على مواقفها بشأن النزاع الإقليمي حول الصحراء.
فقد كشفت تقارير إعلامية إسبانية، من بينها laSexta، أن الجزائر ضخت نحو 4 مليارات متر مكعب إضافية من الغاز لتأمين الإمدادات، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات غير مسبوقة بسبب تعثر شحنات الغاز المسال القادمة من الخليج، على خلفية التوترات في مضيق هرمز.
هذه الخطوة، وإن بدت في ظاهرها استجابة تقنية لحاجيات السوق، إلا أنها تحمل أبعادًا جيوسياسية واضحة، فقد سعت الجزائر إلى توظيف صادراتها من الغاز كأداة ضغط في علاقاتها الخارجية، خاصة مع الدول الأوروبية التي تعتمد بشكل متفاوت على إمداداتها، وإسبانيا، بحكم قربها الجغرافي واعتمادها النسبي على الغاز الجزائري، ظلت في صلب هذا التوجه.
غير أن محاولة الجزائر التأثير على الموقف الإسباني من نزاع الصحراء عبر أدوات اقتصادية سبق أن أثبتت محدوديتها، ولم تحقق النتائج المرجوة، فبعد إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة توتر غير مسبوق، تُرجم بتجميد الجزائر لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين، إلى جانب إجراءات تجارية وقيود غير مباشرة.
بيد أن هذه المحاولات سرعان ما اصطدمت بحدود الواقع السياسي والاقتصادي، إذ لم تُفضِ إلى تعديل الموقف الإسباني، بل كشفت عن محدودية فعالية الضغط الطاقي في سياق أوروبي يتجه بشكل متسارع نحو تنويع مصادر التزود وتقليص الاعتماد على مورد واحد. كما أن تداعيات التوتر انعكست سلبًا على المصالح الاقتصادية للجانبين، خصوصًا في ظل تشابك العلاقات التجارية وحجم المبادلات بين الجزائر ومدريد.
وأمام هذه المعطيات، اضطرت الجزائر في نهاية المطاف إلى اعتماد مقاربة أكثر براغماتية، تُوِّجت بإعادة تفعيل العمل بـمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الجزائرية الإسبانية، في خطوة عكست فشل رهانات الضغوط في تعديل الموقف الإسباني، وتؤشر في الآن ذاته حدود توظيف ورقة الغاز كأداة للتأثير السياسي في قضايا وملفات تحكمها اعتبارات استراتيجية أوسع من مجرد حسابات الطاقة.